مهمّة رين

قبل عشر سنوات، كان السؤال ما هو البيتكوين؟ قبل خمس سنوات، تحوّل السؤال إلى هل العملات المشفرة قانونية؟ أما الآن، فالسؤال الذي يُطرح عليّ هو متى يمكنني استخدام العملات المشفرة في حياتي اليومية؟
يكمن جمال عالم العملات المشفرة في أنه يدفعك إلى طرح أسئلة مثل: ما هو المال؟ أو ما هو السوق؟، لأول مرة.
لقد استخدمنا أشكالًا عديدة من المال على مدار تاريخ البشرية1. كنا نسجل دفاتر الحسابات على ألواح طينية. واستخدمنا أشياء متوفرة بكثرة في الطبيعة، مثل الأصداف. وفي النهاية، قررنا استخدام المعادن الثمينة، مثل الذهب والفضة، التي كانت بمثابة معيار نقدي عالمي قوي لآلاف السنين. أدت المعادن الثمينة إلى تقييد قدرة أي فرد على إصدار النقود من لا شيء، وهو ما كان بمثابة ميزة حاسمة للنظام المالي.
اليوم، يعج عالمنا بالتضخم. فبينما يعمل الناس العاديون بجد لكسب المال والادخار لمستقبلهم، يتسبب التضخم في استمرار انخفاض مستوى الاقتصاد وارتفاع الأسعار، ويضطر الناس كل يوم إلى الدخول في دوامة الاستثمار لمواكبة آثار التضخم. ماذا حدث لقدرتنا على الادخار والحفاظ على القيمة فحسب؟ في الوقت نفسه، لم يكن العالم أبدًا أكثر استعدادًا لنظام نقدي عالمي. فمع مرور كل عقد، يصبح عالمنا أكثر عولمة. وبفضل أنظمة المعلومات واللوجستيات والطاقة والنقل العالمية، نعيش بالفعل في عالم متصل بشكل غير مسبوق.
لقد أصبح لدينا الآن أنظمة مالية عالمية، لكن هذه الصورة لا تزال مجزأة إلى حد كبير وتترك الكثير مما هو مرغوب فيه. لا يزال إرسال القيمة عبر الحدود يعني التعامل مع البنوك المراسلة، وفترات الانتظار، والرسوم التي تقع أعبائها الأكبر على عاتق الأشخاص الأقل قدرة على تحملها. نحن بحاجة إلى أنظمة مالية تعمل في أي مكان وتحافظ على القيمة لمدة 100 عام وأكثر. العملات المشفرة (المعروفة اختصاراً بـ "كريبتو") هي المحاولة الأكثر جدية التي شهدناها لتحقيق هذه الرؤية.
في الواقع، مجال الكريبتو هو مجال قيد التشكيل منذ 35 عامًا. فور إنشاء الإنترنت، حاول الناس البدء في إرسال الأموال عبره. وقد كتب فريق من جامعة برينستون كتابًا رائعًا بعنوان "تقنيات بيتكوين والعملات المشفرة" (Bitcoin and Cryptocurrency Technologies)، الذي يوثق تلك المحاولات التي باءت جميعها بالفشل. استغرق الأمر بضعة عقود من التجارب المتكررة، لكن سرعان ما أدرك الناس أن علم التشفير (فرع من فروع الرياضيات) يمكن استخدامه كأساس لنظام نقدي. حتى أن نيل ستيفنسون كتب رواية خيال علمي حول هذا المفهوم بعنوان "كريبتونوميكون" (Cryptonomicon)، والتي ألهمت تأسيس شركة باي بال.
شهد المفهوم صعودًا هائلاً من خلال ظهور بيتكوين، الذي لقي صدىً لدى الكثير من الناس حول العالم، مما أدى إلى تكوين مجتمع ونظام بيئي جديدين ومثيرين. تبع ذلك ظهور بروتوكولات أخرى، كل منها يقدم مزايا خاصة به أو يسعى إلى إتاحة استخدامات مختلفة. في جوهرها، يدور هذا المجال حول أنظمة مالية تحكمها البرمجيات وحدها بدلاً من التقدير الشخصي. كثيرًا ما يطلق عليها اسم "إنترنت المال"، وهذه المقارنة صحيحة. فهي تتيح نفس المنصة العالمية للتبادل دون الحاجة إلى أذونات، تمامًا مثل الإنترنت، ولكن في مجال تداول القيمة.
باستخدام العملات المشفرة، يمكننا حل مشاكل النظام المالي الحالي بنفس الطريقة التي تحل بها البرمجيات معظم المشاكل الحديثة في عصرنا. يمكننا التعامل مع التضخم والأزمات المالية على أنها أخطاء في النظام، وإجراء تحسينات متكررة على النظام لجعلها نادرة بشكل متزايد. العملات المشفرة هي أقرب ما رأيناه على الإطلاق إلى عملة يمكن أن تتمتع بالمزايا الحديثة للاقتصاد الافتراضي، مع الاحتفاظ في الوقت نفسه بطبيعة المعادن الثمينة وفوائدها. لا تزال هذه الصناعة في مراحلها الأولى، إلا أنها تنطوي على إمكانات هائلة.
آمل أن أراكم قريبًا،

Copyright © 2026 Rain Management W.L.L.